علي بن أحمد المهائمي
385
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
أنه ) ما طلب الاطلاع عليها من حيث هي أعيان ، بل إنما ( طلب هذا الاطلاع ) المخصوص بالحق ، وهو الاطلاع عليها من حيث هي مفاتيح ، فطلب ( أن يكون له قدرة ) حقيقية ( تتعلق بالمقدور ) أي : بإخراجه عن القوة إلى الفعل والتأثير فيه بخلاف غير الحقيقية اقتصر على ذكرها لعمومها المذهبين ، وما علم أنه محال في حقّه ، وإن فني في الحق وبقي به ، إذ ( لا يقتضي ذلك ) أي : الاتصاف بالقدرة الحقيقية ( إلا من له الوجود المطلق ) ، والباقي بالحق ليس له ذلك ، وإن تنور بنور خاص من الحق ؛ لأنه معلل ببقائه بالحق فلا يكون مطلقا موجودا لذاته . ( فطلب ما لا يمكن وجوده ) من القدرة الحقيقية في حق المخلوق ، وإن بقي بالحق واتصف بصفاته ، لكنه ليس ذلك اتصافا بعين صفاته لامتناع قيام صفة واحدة بموصوفين ، بل غاية ما يمكن من ذلك حصوله بطريق العلم في حق من لم يفن عن نفسه ، ولم يبق بالحق وهو طلب حصوله ( ذوقا ) لا علما ؛ لأن الأنبياء لا يخلون عن علم ذلك ، وقد سأل عن الكيفية في سؤاله المذكور في القرآن ، فالظاهر أنه سأل هنا أيضا عن الكيفية ، فكان سؤاله حصولها له ( ذوقا ، فإن الكيفيات لا تدرك إلا بالأذواق ) إذا لم تكن محسوسة ، ولا معقولة ، والشيء لا يحصل بالذوق لمن ليس فيه دلالة استعداده ، فوقع العتب عليه بقطع الوحي ، وعدم الإجابة إلى سؤاله بعد ما قال له أولا : ( لئن لم تنته لأمحونّ اسمك عن ديوان النبوة ) « 1 » . [ وأمّا ما رويناه ممّا أوحى اللّه به إليه لئن لم تنته لأمحونّ اسمك من ديوان النبوّة ، أي أرفع عنك طريق الخبر وأعطيك الأمور على التّجلّي ، والتّجلّي لا يكون إلّا بما أنت عليه من الاستعداد الّذي به يقع الإدراك الذّوقي ، فتعلم أنّك ما أدركت إلّا بحسب استعدادك فتنظر في هذا الأمر الّذي طلبت ، فلمّا لم تره تعلم أنّه ليس عندك الاستعداد الّذي تطلبه وأنّ ذلك من خصائص الذّات الإلهيّة ، وقد علمت أنّ اللّه أعطى كلّ شيء خلقه ؛ فإن لم يعطك هذا الاستعداد الخاصّ ، فما هو خلقك ، ولو كان خلقك لأعطاكه الحقّ الّذي أخبر أنّه أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ طه : 50 ] ، فتكون أنت الّذي تنتهي عن مثل هذا السّؤال من نفسك ، لا تحتاج فيه إلى نهي إلهي وهذه عناية من اللّه بالعزير عليه السّلام علم ذلك من علمه وجهله من جهله ] . وأشار إلى أن ذلك العتاب ليس هو قوله : « لئن تنته . . . إلى آخره » ، بل هو عتابه يتبين به استحالة حصول مسئوله بطريق الكشف ؛ فقال : ( وأما ما رويناه فيما أوحى اللّه به إليه ) فيه إشارة إلى أنه كيف يكون عتابا يقطع الوحي ، وهو عين الوحي ( لئن لم تنته
--> ( 1 ) سبق تخريجه .